علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

125

نسمات الأسحار

الوصية بهذا اللفظ العظيم إلا ونحن عالمون بنسيانك القديم . فإياك والنسيان أيها الغافل فقد كان أقل من هذه المبالغة يكفى العاقل أو المعنى إن لم تحفظ هذه الوصية فلا تخف من النسيان وتب إلينا نقبلك على ما كان من سالف العصيان ونحن أعلم بطبعك القديم ، ولذلك سميناك بالإنسان ولقبناك بهذا اللقب لئلا تيأس من الغفران فإنا قد رفعنا النسيان والخطأ من سيد ولد عدنان ثم انظر ذكرك وحننك على والديك حيث أضافهما إليك فقال بوالديه كأن المعنى : لو كانت هذه التوصية في غريب أجنبي لحق لك الامتثال فكيف بأصليك ووالديك مع وفور شفقتهما عليك ، ثم زاد في البيان بسبب هذه التوصية . أيها الإنسان فقال : حملته أمه فنبهك جل جلاله على أصلك القذر وإنك لست أهلا لهذه الوصية وإنما نحن أهلناك فنسيت تلك الأصل ، وأعجبت بنفسك وشكلك وهيئتك وبطشك وقوتك وأنت أحقر وأصغر وأذل وأحسر إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ، ضربت أمك وشتمتها وسببتها وآذيتها لو رأيت نفسك وأنت نطفة من رآك قذرك ، أو علقة أو مضغة من شاهدك استحقرك كيف قلبتك بقلبها وحملتك بأحشائها وحجبتك وسترتك في ذلك الحال المهين في قرار رحمها المكين وغذتك من غذائها ، وسقتك من شرابها ، وقاست بحملك السقم والنصب والوحام والتعب إلى أن أسس بناؤك وتكاملت أجزاؤك ، وكان بطنها لك أحسن مهاد واستندت وجلت يمينا وشمالا في ذلك المقام إلى أن كمل تصويرك الملك العلام وصرت بشرا سويا جميلا بهيا بعينين وأذنين وجبهة وحاجبين ويدين ورجلين ولسان وشفتين تسر بهجة خلقك الناظرين أبرزتك إلى الأرض بخلق كامل فتبارك اللّه أحسن الخالقين وقد قاست بشدة ألم الطلق تعجز عن وصفها ألسن الخلق فخرجت أعجز ما تكون من تدبير نفسك أيها الغافل فألقينا في قلبها الشفقة والرحمة وأنبت لك في صدرها الثديين يجريان بلبن حافل فلطالما سهرت عليك والناس نيام وربما كان عليها النوم بسببك حرام وغسلت بيدها عنك النجاسة والأذى ونقت بدنك من الأوساخ والقذى فلما أن تم فهمك وتكامل علمك وصرت ذا بطش وسطوة ، قابلت رأفتها عليك بالغلظة والقسوة فأغلظت لها في الكلام ونسيت الوصية بالاحترام ، وربما ضربت الظهر والرأس ولم تقبل عذل